العودة للخلف

2) الاعتصام بالكتاب والسنة (البيت 1)

تاريخ النشر: 04 / 10 / 2026
: 2

الاعتصام بالكتاب والسنة وترك البدع

قال الناظم رحمه الله:

1-تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الهُدَى

 

وَلَا تَكُ بِدْعِيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِحُ

ألفاظ البيت

تمسَّك: فعل أمر وهذا التمسُّك واجب لدليل السَّمع والعقل عليه.

بحبْل الله: هو القرآن قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا } [آل عمران:103].

واتبع: أمر بالاتباع، وهو يبين أنَّ التمسك بحبل الله لا يحصل إلا باتباع هدى رسول الله ﷺ.

الهدى: المراد به الهدى الذي بُعث به رسول الله ﷺ لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} [التوبة:33]. ويدخل تحت ذلك الكتاب والسنة فالقرآن سمَّاه الله هدى كما قال تعالى: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزُّمَر:23].

والقرآن يهدي للهدى كما قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، والرسول يهدي للهدى كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]، وقال سبحانه: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158].

وفي الصحيحين في حديث أبي موسى رضي الله عنه في المثل الذي ضربه بغَيثٍ قال: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».

وكان ﷺ يكرِّر ذلك في خطبه: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة». أخرجه مسلم 867.

ولا: ناهية. وقد سلك الناظم طريقة القرآن في هذا الباب، الأمر والنهي، الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، وذلك كقوله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام:153]. وقال: { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [الأعراف:3].

بدعيًا: أي: منتسبا للبدع وأهلها بتركك وإهمالك التمسُّك والاتباع المأمور به.

لعلك: قد ورد: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} في أحد عشر آية في القرآن. قال ابن جرير: قالوا: عسى ولعل من الله موجبة.

قلت: قد أسندَ ابنُ أبي حاتم في تفسيره ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وسنده صحيح إلى عون لكن حديثه مرسل عن ابن مسعود ففيه انقطاع.

تفلح: قال العلماء: «ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة من الفلاح». أفاده ابنُ الملقن في شرح البخاري.

والفلاح: هو الفوز بالبُغية في الدارين وقيل: الفوز والظفر بالمقصود، قال الهروي: أصل الفلاح الشق والقطع قال الشاعر: (إن الحديد بالحديد يفلح): أي: يُشقّ. فكأنّ المفلِح قد قطعَ المصاعبَ حتى نالَ مطلوبه انتهى.

وحاصل البيت: أنّ الاعتصام بالكتاب والسنة، وترك البدع والضلالات سبب الفلاح. قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [آل عمران: 132].

أهم المسائل التي تناولها البيت

- وجوب التمسك بالكتاب والسنة والتماسك بهما قال تعالى: { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } [الزُّخرُف:44،43]، وفي هذه الآية أمر أكيد ووعيد شديد، أمر أكيد بالاستمساك بالقرآن ووعيد شديد بالسؤال عن ذلك. ومعنى قوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} أي: شرف لكم، قاله ابن جرير.

وفي حديث العرباض رضي الله عنه قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» لفظ أبي داود وهو في الجامع الصحيح لشيخنا رحمه الله.

* وقد مدَحَ اللهُ المتمسّكين فقال: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف:170]، قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم يمسّكون مشددة يقال: مسكت بالشيء وتمسكت به واستمسكت به وامتسكت به. وقرأ أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر: { يُمَسِّكُونَ } بالتخفيف.

قال القرطبي: «وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّكْرِيرِ وَالتَّكْثِيرِ لِلتَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِدِينِهِ فَبِذَلِكَ يُمْدَحُونَ. فَالتَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَالدِّينِ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُلَازَمَةِ وَالتَّكْرِيرُ لِفِعْلِ ذَلِكَ».

وفي صحيح مسلم (برقم:13) عن أبي أيوب رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْنِينِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ ذَا رَحِمِكَ» فَلَمَّا أَدْبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللهَ ﷺ: «إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».

* وقد شرط الله تعالى لصحة التمسك بهما شرطا، فقال: { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة:265]، والعروة الوثقى: هي الإيمان بالله تعالى الذي أصله الإيمان بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

ومفهوم الشرط يفيد: أنّ مَن لم يكفُرْ بالطاغوت لم يَستمسك بالعروة الوثقى فلا يجتمع إيمان بالله تعالى والإيمان بالطاغوت، فبيَّنت الآية أنَّ الكفر بالطاغوت شرط في الإيمان بالله أو ركن منه لا يتم إلا به.

قلت: وفي الآية السابقة إشارة لهذا الشرط -على قول- وذلك في قوله: {لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}   [الأعراف:170]، لأن التقدير: المصلحين منهم وهذا هو الرابط، وعليه: فالوعد مشروط بالإصلاح وذلك بالإخلاص، والكفر بالطاغوت.

وقال بعضُ المفسِّرين: التقدير: إنا لا نضيع أجرَهم وأظهر كنايتَهم بالمصلحين مدحًا لهم، كقول الشاعر: (وأنت الذي في رحمة الله أطمع) أي: في رحمته، وعليه فجملة: {إِنَّا} خبر {وَالَّذِينَ} والرابط: إعادة المبتدأ بمعناه، أي: أن الجملة: {إِنَّا لَا نُضِيعُ} في محل رفع خبر المبتدأ : { الَّذِينَ } وقد وضع الظاهر موضع الضمير أي عوضًا من: (لا نضيع أجرهم) فتمَّ الربط بلفظ المصلحين انتهى من «الجدول».

وعلى الأول: فالرابط الضمير في: منهم المقدر بعد المصلحين. والثاني: أولى لأن الأصل عدم التقدير. والله أعلم.

ولكن يدل له أيضًا قوله تعالى: { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [لقمان:22]. فشرط الاستسلام والإحسان.

* وتضمن البيت أنَّ الهدى هدى الله. وهو الذي بُعث به رسوله ﷺ كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} [آل عمران:73]، وقال: { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ } [الأنعام:71]، فلا هدى للعباد ولا سعادة إلا بتمام الاتباع للوحي المنزل وتمام التسليم له فإنه مصالح مجلوبة ومفاسد مدفوعة بل لا صلاح لهم في معايشهم ومعادهم إلا بذلك.

* ونص البيت على أنَّ العبد مأمور بالاتباع فقد كُفي، وقد جُعل على محجَّة بيضاء واضحة كاملة تامة لا تحتاج إلا إلى اتباع فقط لا تحتاج إلى اقتراح أو زيادة أو تكميل أو ابتداع.

* ونص البيت على شرعية الانتساب إلى السنة والإسلام وعدم مشروعية الانتساب إلى البدع وتحريم الاعتزاء بها {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ}.

فقوله: (لا تك بدعيًا): أي قولا ولا عملا ولا انتسابا ولا ناصرا ولا مكثرا ولا متشبِّها.

* وأفاد البيت: أن المصدر الوحيد للاعتقاد وللتشريع بصفة عامة هو الكتاب والسنة وكل دليل من غيرهما فإنَّما كان دليلًا لاستناده إليهما وتفرعه عنهما.

* ويُستفاد من البيت: أنّ البدعة هي التمسُّك بغير الكتاب والسنة بمعنى التعبُّد لله بما لم يدلّ عليه الكتاب والسنة ولهذا عقب الناظم الأمر بالتمسك بالكتاب والسنة بضده والضدّ يُظهر حُسنَه الضد.

* وأشار البيت إلى أن الناس صنفان: متبع ومبتدع. والضابط: الكتاب والسنة فالأول: مستمسك بهما. والثاني: غير مستمسك بهما.

* والأئمة يأمرون بالتمسك في نثرهم ونظمهم.

قال الإمام الزهري: «كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة والعلم يقبض قبضًا سريعًا فنعش العلم ثبات الدين والدنيا وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله» أخرجه الدارمي.

قال ابن القيم رحمه الله:

واجعل شعارك خشية الرحمن مع

 

نصح الرسول فحبذا الأمران

وتمسكنَّ بحبله وبوحيه

 

وتوكلنَّ حقيقة التكلان

وقال أيضا في نونيته:

يا أيها الرجل المريد نجاته

 

اسمع مقالة ناصح معوان

كن في أمورك كلها متمسكا

 

بالوحي لا بزخارف الهذيان

وانصر كتاب الله والسنن التي

 

جاءت عن المبعوث بالفرقان

واجعل كتاب الله والسنن التي

 

ثبتت سلاحك ثم صح بجنان

من ذا يبارز فليقدم نفسه

 

أو من يسابق يبد في الميدان

* وقال ابن القيم مبينًا أهمية التمسك لا سيما مع فساد أهل الزمان:

هذا وللمتمسكين بسنة المختار

 

عند فساد ذي الأزمان

أجر عظيم ليس يقدر قدره

 

إلا الذي أعطاه للإنسان

فروى أبو داود في سنن له

 

ورواه أيضا أحمد الشيباني

أثرا تضمن أجر خمسين امرءا

 

من صحب أحمد خيرة الرحمان

إسناده حسن ومصداق له

 

في مسلم فافهمه بالإحسان

إن العبادة وقت هرج هجرة

 

حقًّا إليَّ وذاك ذو برهان

 

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح